علي بن أحمد المهائمي
308
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
واحد ، فإنما علم بالأشياء ؛ ( لأنه بنفسه عليم ) ، فلما علم نفسه علم أسماؤها وصفاتها ، وعلم نسبها وظهورها وآثارها ، ولكن كانت هذه الأمور كلها في ذاته من حيث شمول علمها عليها فلم تتحقق النسب ، ولا ظهرت سلطتها على الأشياء مع أنها تقتضي السلطنة لكونها أسماء إلهية . ( فلما أوجد الصور في النفس ) الرحماني كصور الحروف في النفس الإنساني ، ( وظهر سلطان النسب ) الإلهية على تلك الصور عند خروجها إلى الفعل بعد ما كانت سلطنتها عليها بالقوة إذ كانت أيضا بالقوة ، وهي تقتضي السلطنة بالفعل ؛ لأنها هي ( المعبر عنها بالأسماء ) الإلهية ( صح النسب الإلهي ) أي : تحققه بالفعل ؛ ( فانتسبوا ) إلى الأسماء الإلهية ( إليه ) أي : إلى اللّه ( تعالى ) باعتبار انتسابها إلى صوره بعد ما كانت منتسبة إلى الأعيان الثابتة المعدومة . [ فقال : « اليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي » أي : آخذ عنكم انتسابكم إلى أنفسكم وأردّكم إلى انتسابكم إليّ ، أين المتّقون ؟ أي : الّذين اتّخذوا اللّه وقاية فكان الحقّ ظاهرهم أي عين صورهم الظّاهرة ، وهو أعظم النّاس وأحقّه وأقواه عند الجميع ، وقد يكون المتقي من جعل نفسه وقاية للحقّ بصورته إذ هويّة الحقّ قوى العبد ، فجعل مسمّى العبد ، وقاية لمسمّى الحقّ على الشّهود حتّى يتميّز العالم من غير العالم ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [ الزمر : 9 ] . وهم النّاظرون في لبّ الشّيء الّذي هو المطلوب من الشّيء ، فما سبق مقصّر مجدّا كذلك لا يماثل أجير عبدا ، وإذا كان الحقّ وقاية للعبد بوجه ، والعبد وقاية للحقّ بوجه ، فقل في الكون ما شئت : إن شئت قلت هو الخلق ، وإن شئت قلت : هو الحقّ ، وإن شئت قلت : هو الحقّ الخلق ، وإن شئت قلت : لا حق من كلّ وجه ولا خلق من كلّ وجه ، وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك ، فقد بانت المطالب بتعيينك المراتب ، لولا التّحديد ما أخبرت الرّسل بتحوّل الحقّ في الصّور ، ولا وصفته بخلع الصّور عن نفسه : فلا تنظر العين إلّا إليه * ولا يقع الحكم إلّا عليه فنحن له ، وبه في يديه * وفي كلّ حال فإنّا لديه ولهذا ينكر ويعرف وينزّه ويوصف ، فمن رأى الحقّ منه بعينه فذلك العارف ، ومن رأى الحقّ منه بعين نفسه فذلك غير العارف ، ومن لم ير الحقّ منه وانتظر أن يراه بعين نفسه فذلك الجاهل . وبالجملة : فلابدّ لكلّ شخص من عقيدة في ربّه يرجع بها إليه ويطلبه فيها ، فإذا